الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

109

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

بقوله تعالى : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ؛ لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم ، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ، ولحم ، وعروق ، وأعصاب ، وأخلاط ، وغير ذلك ، مما يدل على أنه مصنوع ومؤلف مدبر كغيره من الأجساد ، فكيف يكون إلها ، وخص الأكل بالذكر لأنه أصل الحاجات ، والإله لا يكون محتاجا ، وقيل : هذا كناية عن الحدث ؛ لأن من أكل وشرب لا بدّ له من البول والغائط ، ومن كانت هذه صفته ، كيف يكون إلها ؟ ثم لما أوضح اللّه تعالى لهم الأدلة في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ادعوا فيهما أتبعه التعجب بقوله سبحانه : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ على وحدانيتنا . ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ، أي يصرفون عن الحق مع قيام البرهان ، وكان العطف ب ثُمَّ للتفاوت بين العجب من بيان اللّه للآيات على التوحيد ، وبين العجب من إعراضهم عن هذا البيان ، وأن إعراضهم أعجب . قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره ، يعنى عيسى ، ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ، أي لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضر اللّه تعالى به من البلايا ، والمصائب في الأنفس ، والأموال ، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم اللّه تعالى به من صحة الأبدان ، والسعة ، والخصب ، وكل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع ، فبإقدار اللّه تعالى وتمكينه . وهذا دليل قاطع على أن أمر عيسى مناف للربوبية ، حيث جعله لا يستطيع ضرا ولا نفعا ، وصفة الرب تعالى أن يكون قادرا على كل شئ ، لا يخرج مقدور عن قدرته تعالى ، وإنما قال : ما في حق من يعقل مع أن أصله يطلق على غير العاقل ، نظرا إلى ما هو عليه في ذاته فإنه ، عليه السلام ، في أول أحواله لا يوصف بعقل ولا بشيء من الفضائل ، وإنما ظهر على يديه من بعض المنافع ، وإزالة بعض المضار بإقدار اللّه تعالى على ذلك وتمكينه إياه ، فكيف يكون إلها ؟ وكان التعبير ب ما تنبيها على أنه من جنس ما لا يعقل ، بمعنى أنه في ذاته لا يملك ضرا ولا نفعا إلا بتمليك اللّه له وإقداره كما بينا . وهذا القدر مشترك بينه وبين غيره وأنه ، عليه السلام ، واحد من آحاد تلك الحقيقة ، ومن كانت له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة ، فبمعزل عن الإلهية ، وبيان ذلك وتوضيحه